تأجيل زيارة الطبيب رغم ظهور أعراض مقلقة دوافع اجتماعية ونفسية تهدد صحة المرأة

أثناء المتابعة الدورية بمستشفى حمد – المصدر الرعاية الأولية

وجدان الكربي – عافية المرأة

قد يبدأ الأمر بألم متكرر، أو تغير غير مألوف في الجسم، أو إرهاق يستمر لأسابيع دون سبب واضح تلاحظ المرأة الأعراض، وتفكر في استشارة الطبيب، لكنها تؤجل الموعد إلى الأسبوع التالي، ثم إلى وقت آخر، حتى تصبح الزيارة الطبية قراراً مؤجلاً وسط مسؤوليات الحياة اليومية.

ولا يعني هذا التأجيل بالضرورة عدم الاهتمام بالصحة فقد تقف وراءه مخاوف نفسية من اكتشاف مرض خطير، أو انشغالات أسرية ومهنية، أو صعوبات تتعلق بحجز المواعيد وبين هذه العوامل تتشكل ظاهرة تستحق اهتماماً صحياً واجتماعياً، خصوصاً عندما يستمر تجاهل أعراض تحتاج إلى تقييم طبي.

وتكشف دراسات أجريت في قطر والسعودية أن المسافة بين معرفة أهمية الرعاية الصحية والالتزام بها قد تكون أكبر مما يبدو، وأن الوصول إلى الطبيب لا يتوقف على توفر الخدمة الطبية وحدها، بل يرتبط أيضاً بالاستعداد النفسي والظروف اليومية ومدى سهولة الحصول على الرعاية المناسبة.

الخوف من التشخيص….. حين تصبح الحقيقة مصدر للقلق

0002 تأجيل زيارة الطبيب رغم ظهور  أعراض مقلقة دوافع اجتماعية ونفسية تهدد صحة المرأة

قد يكون الخوف من سماع تشخيص طبي غير متوقع أحد أبرز الأسباب التي تدفع المرأة إلى تأجيل زيارة الطبيب فبدلاً من الاطمئنان إلى السبب الحقيقي للأعراض، قد تفضل الانتظار على أمل اختفائها تلقائياً وتدعم هذه الملاحظة نتائج دراسة قطرية بعنوان “المعرفة والمواقف والممارسات المتعلقة بسرطان الثدي لدى النساء في قطر”، نُشرت عام 2022، وأعدها باحثون من مؤسسة الرعاية الصحية الأولية وجامعة قطر والجمعية القطرية للسرطان وقد اعتمدت الدراسة على استبيان شاركت فيه 9008 نساء مقيمات في قطر من جنسيات مختلفة.

وأظهرت النتائج أن نحو 43% من المشاركات أشرن إلى أن القلق مما قد يكتشفه الطبيب يمكن أن يمنعهن من طلب الاستشارة الطبية أحياناً أو غالباً وهو ما يعكس تأثير الخوف من التشخيص في قرار طلب المساعدة، غير أن الدراسة تكشف جانباً مهماً آخر إذ أفادت غالبية المشاركات بأن الشعور بالحرج من زيارة الطبيب لا يمثل عائق أمامهن وهذا يعني أن أسباب التأجيل لا يمكن اختزالها في العادات والتقاليد وحدها، وأن الخوف من نتيجة الفحص قد يكون أكثر تأثيراً لدى بعض النساء من الحرج المرتبط بإجراء الفحص نفسه.

وقد تتحول محاولة تجنب القلق إلى مصدر جديد له فكلما استمر العرض دون تفسير، تزداد احتمالات الانشغال بالتفكير في أسبابه ومن هنا تبرز أهمية التعامل مع الفحص بوصفه وسيلة للحصول على إجابة طبية، وليس بالضرورة مقدمة لاكتشاف مرض خطير.

مسؤوليات لا تنتهي وصحة تنتظر دورها

وبين متطلبات العمل ورعاية الأطفال والالتزامات الأسرية قد تجد بعض النساء صعوبة في تخصيص وقت لمتابعة صحتهن، خصوصاً عندما تبدو الأعراض بسيطة أو متقطعة وقد أظهرت الدراسة نفسها أن نحو 49% من المشاركات أشرن إلى أن الانشغال وعدم توفر الوقت يمنعهن أحياناً أو غالباً من زيارة الطبيب، بينما بلغت نسبة من أشرن إلى صعوبة الحصول على موعد طبي نحو 60%.

وتكشف هذه المؤشرات أن قرار الزيارة لا يرتبط بالرغبة الشخصية وحدها إذ قد تواجه المرأة صعوبات عملية في تنظيم وقتها أو الوصول إلى الموعد المناسب كما أن تكرار تأجيل الزيارة بسبب الانشغال قد يؤدي إلى تحول المتابعة الصحية من أولوية أساسية إلى مهمة مؤجلة باستمرار.

وهنا يصبح الدعم الأسري عنصراً مهماً في الوقاية، فمشاركة المسؤوليات المنزلية وتشجيع المرأة على تخصيص وقت للفحوصات يساعدان في تقليل الضغوط التي قد تعوق اهتمامها بصحتها؛ كذلك تبرز الحاجة إلى خدمات صحية مرنة تراعي ظروف المرأة العاملة والأم، وتوفر وسائل سهلة لحجز المواعيد ومتابعتها، إلى جانب التوعية بأن الاعتناء بالنفس لا يتعارض مع المسؤوليات الأسرية، بل يساعد المرأة على أدائها بصورة أفضل.

المعرفة وحدها لا تكفي …فجوة بين الوعي والممارسة

لا تعني معرفة المرأة بأهمية الفحص أنها ستبادر بالضرورة إلى إجرائه فقد تدرك خطورة أحد الأمراض، لكنها لا تعرف علاماته المبكرة، أو موعد الفحص المناسب، أو الجهة التي ينبغي التوجه إليها وأظهرت الدراسة المنشورة عام 2022 أن 69% من المشاركات ذكرن أنهن يعرفن العلامات التحذيرية لسرطان الثدي، إلا أن إجاباتهن التفصيلية كشفت تفاوتاً في القدرة على التعرف إلى الأعراض المختلفة.

فقد تعرفت نحو 50.9% من المشاركات إلى وجود كتلة أو سماكة غير طبيعية في الثدي بوصفها علامة تستدعي الانتباه، بينما كانت مستويات المعرفة أقل بالنسبة إلى بعض التغيرات الأخرى، مثل تغير شكل الحلمة أو ظهور تغيرات جلدية.

وتبرز هذه النتائج أهمية التمييز بين الشعور العام بالمعرفة الصحية والفهم الفعلي للأعراض والإجراءات الوقائية فالمعلومات العامة قد لا تكون كافية لاتخاذ قرار سليم إذا لم تتضمن توجيهات واضحة حول العلامات التي تستدعي الاستشارة الطبية وتقع هنا مسؤولية مهمة على وسائل الإعلام الصحي، التي ينبغي أن تتجاوز الرسائل العامة الداعية إلى الاهتمام بالصحة، وأن تقدم معلومات عملية تساعد المرأة على معرفة التصرف المناسب عند ظهور عرض غير معتاد.

الجهود الوقائية في قطر

00002-1024x682 تأجيل زيارة الطبيب رغم ظهور  أعراض مقلقة دوافع اجتماعية ونفسية تهدد صحة المرأة

تعكس البيانات الرسمية الصادرة عن مؤسسة الرعاية الصحية الأولية حجم الجهود المبذولة لتوسيع خدمات الكشف المبكر والوصول إلى النساء المؤهلات للفحص، ففي تصريح نشرته المؤسسة في فبراير 2024، أوضحت الدكتورة شيخة أبو شيخة مديرة برامج الكشف المبكر أن برنامج الكشف عن سرطان الثدي أجرى فحوصات لـ 8358 امرأة خلال عام 2023.

كما أطلقت المؤسسة في أكتوبر 2025 حملة وطنية تحت شعار “افحصي اليوم، واحمي غدك”، لتشجيع النساء على الاهتمام بالكشف المبكر، وإيصال الرسائل الوقائية عبر القنوات التقليدية والرقمية والشراكات المجتمعية؛ وأوضحت المؤسسة أن عيادات الكشف المبكر عن سرطان الثدي تتوفر في أربعة مراكز صحية هي معيذر، ولعبيب، وروضة الخيل، والوكرة، بما يتيح للنساء المؤهلات خيارات متعددة للحصول على الخدمة؛ وتكشف هذه الجهود أهمية الانتقال من التوعية العامة إلى تسهيل الوصول الفعلي للفحص لأن نشر المعلومات يمثل بداية الطريق، بينما تظل الاستجابة وإجراء الفحص الخطوة التي تحقق الغاية الوقائية.

الخصوصية والحرج… عوامل لا ينبغي تجاهلها

قد تتردد بعض النساء في الإفصاح عن أعراض مرتبطة بالثدي أو الجهاز التناسلي أو الصحة النفسية، خاصة عندما يشعرن بعدم الارتياح إلى مناقشة هذه الموضوعات ورغم أن الدراسة القطرية لعام 2022 أظهرت أن غالبية المشاركات لم يعتبرن الحرج عائقاً أمام زيارة الطبيب، فإن ذلك لا ينفي أهمية توفير بيئة طبية تحترم خصوصية المرأة وتمنحها الشعور بالأمان.

وتؤكد مؤسسة الرعاية الصحية الأولية في قطر، ضمن ميثاق حقوق المرضى، حق المريضة في سرية معلوماتها الشخصية، والحصول على الخصوصية والاحترام أثناء الفحص والعلاج، وإمكانية اصطحاب أحد أفراد الأسرة أو شخص تختاره لتقديم الدعم.

كما توضح مؤسسة حمد الطبية أن المرأة التي تشعر براحة أكبر عند مراجعة طبيبة يمكنها إبلاغ مركز الرعاية الصحية الأولية بذلك عند حجز الموعد ويسهم توضيح هذه الحقوق في معالجة بعض المخاوف المرتبطة بالفحص، خصوصاً حين تكون المشكلة الصحية حساسة أو تتطلب الحديث عن تفاصيل شخصية.

الوقاية تبدأ بقرار لا ينبغي تأجيله

إن تأجيل زيارة الطبيب مسألة تتداخل فيها عوامل نفسية واجتماعية وتنظيمية، والتعامل معها يحتاج إلى جهود مشتركة من المؤسسات الصحية والأسرة والإعلام فتسهيل حجز المواعيد، واحترام خصوصية المريضات، وتقديم المعلومات الطبية بلغة مفهومة، وتشجيع النساء على طلب المساعدة دون خوف أو حرج، جميعها خطوات قد تسهم في الحد من التأخير غير الضروري في الحصول على الرعاية.

ولا تعني زيارة الطبيب توقع الأسوأ، بل تعني البحث عن إجابة موثوقة واتخاذ قرار صحي قائم على المعرفة وقد يكون الاطمئنان نتيجة الفحص، وقد تكون هناك حاجة إلى علاج أو متابعة، لكن تجاهل الأعراض لا يقدم الإجابة التي تحتاج إليها المرأة.

فالوقاية لا تبدأ فقط بإجراء الفحوصات الدورية، بل تبدأ أيضاً بعدم تجاهل الإشارات التي يرسلها الجسم، وبمنح الصحة مكانتها المستحقة ضمن أولويات الحياة.

Share this content:

إرسال التعليق

يمكنك قراءة هذة الموضوعات ايضاً