بين الغذاء والدواء: العناصر الغذائية التي يحتاجها جسم المرأة

تقديم النصائح الخاصة بالتغذية للنساء في مستشفى حمد – المصدر مجلة عافية المرأة

تقرير رغد الشهواني – عافية المرأة

على مائدة الإفطار، قد تكتفي امرأة بفنجان من القهوة قبل الانطلاق إلى عملها، بينما تتجاوز أخرى وجبة الغداء بسبب انشغالها، وتلجأ ثالثة إلى تناول مجموعة من الفيتامينات اعتقاداً بأنها تستطيع تعويض ما ينقص نظامها الغذائي وبين الوجبات السريعة والحميات القاسية والمكملات التي تعد بمزيد من النشاط والجمال، يبرز سؤال صحي مهم: هل تحصل المرأة بالفعل على العناصر الغذائية التي يحتاجها جسمها؟

فاحتياجات المرأة ليست ثابتة طوال حياتها إذ تتغير تبعاً للعمر، وطبيعة النشاط اليومي، والحمل والرضاعة، والتغيرات الهرمونية المصاحبة للتقدم في السن ومع هذه التحولات، تصبح التغذية المتوازنة أحد أهم عوامل الحفاظ على الصحة والوقاية من المشكلات المرتبطة بنقص الفيتامينات والمعادن.

مائدة المرأة تحت المجهر… أرقام تكشف الحاجة إلى التوازن

لم تعد التغذية الصحية مجرد مسألة مرتبطة بإنقاص الوزن أو المحافظة على المظهر الخارجي، بل أصبحت جزءاً أساسياً من الوقاية من الأمراض المزمنة والحفاظ على القدرة الجسدية والذهنية ويكشف تقرير الصحة في دولة قطر لعام 2024، الصادر عن مركز المعلومات الصحية بوزارة الصحة العامة، أن نسبة السمنة بين النساء اللاتي تتراوح أعمارهن بين 18 و69 عاماً بلغت 36.7%، مقابل 30.4% بين الرجال، وفق بيانات المسح الوطني لعوامل الخطورة المرتبطة بالأمراض غير الانتقالية، كما أظهرت النتائج أن نسبة النساء اللاتي لا يمارسن نشاطاً بدنياً كافياً بلغت 44.8%، مقارنة بنحو 31% بين الرجال، وهو ما يعكس أهمية الجمع بين التغذية المناسبة والحركة المنتظمة.

وفي هذا الإطار تشجع الدلائل الإرشادية للتغذية لدولة قطر على تنويع الغذاء، وتقليل السكريات والملح والدهون غير الصحية، وشرب الماء، وممارسة النشاط البدني، بما يساعد على تبني نمط حياة صحي قابل للاستمرار.

الحديد …عنصر صغير يحمي الجسم من الإرهاق وفقر الدم

قد تبدأ مشكلة نقص الحديد بأعراض تبدو بسيطة، مثل التعب المستمر أو الدوخة أو ضعف التركيز، لكنها قد تتطور إلى فقر دم يؤثر في قدرة الجسم على نقل الأكسجين إلى الأنسجة؛ وتعد النساء في سن الإنجاب من الفئات التي تحتاج إلى اهتمام خاص بمستويات الحديد، بسبب فقدان الدم خلال الدورة الشهرية وزيادة الاحتياجات الغذائية أثناء الحمل.

وتكشف بيانات وزارة الصحة العامة القطرية لعام 2024 عن تسجيل فقر الدم لدى 22.2% من الحوامل اللاتي تتراوح أعمارهن بين 15 و49 عاماً، وهو مؤشر يعكس استمرار أهمية المتابعة الغذائية والطبية خلال الحمل ويجب التنبيه إلى أن فقر الدم قد ينتج عن أسباب متعددة، وليس نقص الحديد وحده.

وتوضح مؤسسة حمد الطبية، في دليلها الغذائي الخاص بمرضى فقر الدم الناتج عن نقص الحديد، أن أسباب الحالة قد تشمل عدم تناول كميات كافية من الحديد، أو ضعف امتصاصه، أو فقدان الدم، أو زيادة احتياجات الجسم، ويمكن الحصول على الحديد من اللحوم والأسماك والدواجن، إضافة إلى البقوليات مثل العدس والفاصولياء، والخضراوات الورقية والحبوب المدعمة كما يساعد تناول الأطعمة الغنية بفيتامين “ج”، مثل البرتقال والفلفل والطماطم، مع المصادر النباتية للحديد على تحسين امتصاصه.

وتشير مؤسسة حمد الطبية إلى أن تناول الشاي والقهوة مع الوجبات قد يقلل امتصاص الحديد، وهو ما يستدعي الانتباه إلى العادات اليومية التي قد تؤثر في استفادة الجسم من الطعام ومع ذلك فإن الشعور بالتعب لا يعني بالضرورة الإصابة بنقص الحديد فالتشخيص يحتاج إلى تقييم طبي وتحاليل مناسبة، وقد تتطلب بعض الحالات علاجاً دوائياً إلى جانب تعديل النظام الغذائي.

فيتامين “د” …تحدٍ صحي حتى في البلدان المشمسة

رغم وفرة أشعة الشمس في منطقة الخليج، يبقى نقص فيتامين “د” من القضايا التي تستحق الاهتمام، نظراً لدوره في امتصاص الكالسيوم والحفاظ على صحة العظام والعضلات وفي دراسة أجراها باحثون من قسم التغذية البشرية والصحة العامة بجامعة قطر، ونشرت عام 2020 بعنوان “تركيزات فيتامين د في الدم وعلاقتها بانتشار متلازمة الأيض لدى النساء القطريات”، جرى تحليل بيانات 700 امرأة قطرية تتراوح أعمارهن بين 20 و80 عاماً وأظهرت الدراسة أن انتشار متلازمة الأيض بلغ نحو 32% بين النساء في المجموعة ذات أدنى مستويات فيتامين “د”، مقابل نحو 17.5% في المجموعة ذات أعلى المستويات؛ وتشير هذه النتيجة إلى وجود ارتباط إحصائي بين مستويات فيتامين “د” وانتشار متلازمة الأيض، لكنها لا تثبت أن نقص الفيتامين يسبب المتلازمة مباشرة، أو أن تناول المكملات يمنع الإصابة بها.

ويمكن الحصول على فيتامين “د” من بعض الأطعمة، مثل الأسماك الدهنية وصفار البيض ومنتجات الألبان المدعمة، إلى جانب تصنيعه في الجلد عند التعرض المناسب لأشعة الشمس؛ غير أن التعرض للشمس يجب أن يراعي الظروف المناخية والسلامة الصحية، خاصة في الأجواء شديدة الحرارة كما ينبغي أن يستند قرار إجراء التحليل أو تناول المكملات إلى تقييم عوامل الخطورة والحالة الطبية، بدلاً من الاعتماد على جرعات عشوائية.

الكالسيوم …..حماية العظام تبدأ قبل سن الأمان

غالباً ما يرتبط الحديث عن هشاشة العظام بالنساء المتقدمات في العمر، لكن بناء عظام قوية والمحافظة عليها يبدأان قبل ذلك بسنوات طويلة ويؤدي الكالسيوم دوراً أساسياً في صحة العظام والأسنان ووظائف العضلات والأعصاب، بينما يساعد فيتامين “د” الجسم على امتصاصه والاستفادة منه.

وتوضح وزارة الصحة السعودية، ضمن إرشاداتها الرسمية للتغذية الصحية، أن احتياج المرأة إلى الكالسيوم قبل انقطاع الطمث يبلغ نحو 1000 ملجم يومياً، ويرتفع إلى 1200 ملجم بعد انقطاع الطمث

ويعود الاهتمام بهذه المرحلة إلى أن انخفاض هرمون الإستروجين قد يسرع فقدان الكتلة العظمية، مما يجعل التغذية المناسبة والنشاط البدني ومتابعة صحة العظام عوامل مهمة للحفاظ على جودة الحياة؛ وتشمل المصادر الغذائية للكالسيوم الحليب واللبن والزبادي والأجبان، إضافة إلى بعض الأطعمة المدعمة والخضراوات الورقية والأسماك التي تؤكل عظامها اللينة، مثل السردين المعلب.

لكن تناول الكالسيوم بكميات كبيرة على هيئة مكملات لا يعني بالضرورة حماية أفضل للعظام إذ تختلف الحاجة إلى المكمل وفق كمية الكالسيوم المتناولة من الطعام والحالة الصحية والتاريخ المرضي.

حمض الفوليك… أهميته تبدأ قبل حدوث الحمل

من أبرز الأخطاء المرتبطة بالتغذية الإنجابية اعتقاد بعض النساء أن الاهتمام بالفيتامينات يبدأ بعد التأكد من حدوث الحمل فحمض الفوليك، المعروف بفيتامين “ب9”، يؤدي دوراً مهماً في تكوين الخلايا وانقسامها، وتزداد أهميته خلال المراحل المبكرة من نمو الجنين.

وتوصي وزارة الصحة السعودية المرأة التي تخطط للحمل بتناول 400 ميكروجرام من حمض الفوليك يومياً قبل الحمل والاستمرار حتى الأسبوع الثاني عشر، بهدف تقليل احتمالات حدوث عيوب الأنبوب العصبي لدى الجنين وتوضح الوزارة أن الاحتياجات خلال الحمل تختلف عن مرحلة ما قبله إذ يصل الاحتياج الغذائي الإجمالي للفولات لدى الحامل إلى نحو 600 ميكروجرام يومياً، مع ضرورة التفريق بين كمية الفولات المطلوبة في النظام الغذائي وجرعة مكمل حمض الفوليك الموصى بها.

وتعد الخضراوات الورقية والبقوليات والأفوكادو وبعض الحبوب المدعمة مصادر غذائية جيدة للفولات، لكنها لا تلغي التوصية الخاصة بالمكمل قبل الحمل وفي بدايته.

أما النساء اللاتي لديهن ظروف صحية معينة، مثل تناول بعض الأدوية المضادة للصرع أو وجود تاريخ سابق لعيوب الأنبوب العصبي، فقد يحتجن إلى جرعات مختلفة يحددها الطبيب.

الدهون الصحية والألياف…. عناصر يغفلها البعض

ليست جميع الدهون ضارة، فالجسم يحتاج إلى كميات مناسبة من الدهون للمساعدة على امتصاص بعض الفيتامينات والمحافظة على الوظائف الحيوية؛ وتأتي الدهون غير المشبعة من مصادر مثل زيت الزيتون والمكسرات والبذور والأسماك، بينما تدعو الإرشادات الغذائية القطرية إلى تقليل الدهون غير الصحية والاعتماد على خيارات غذائية متنوعة

كما تؤدي الألياف دوراً مهماً في صحة الجهاز الهضمي والشعور بالشبع وتنظيم حركة الأمعاء، ويمكن الحصول عليها من الخضراوات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة

وتكتسب هذه الخيارات أهمية إضافية في ظل انتشار الحميات التي تستبعد مجموعات غذائية كاملة دون وجود سبب طبي، مما قد يؤدي إلى تقليل تنوع العناصر الغذائية التي يحصل عليها الجسم وتؤكد الدلائل الإرشادية للتغذية في قطر أهمية تناول الأغذية من المجموعات الست، مع إعطاء مساحة مناسبة للخضراوات والفواكه والحبوب والبقوليات ومنتجات الألبان ومصادر البروتين.

الحمل والرضاعة…. احتياجات تتغير ولا تتضاعف عشوائياً

خلال الحمل، تحتاج المرأة إلى عناية غذائية خاصة، لكن ذلك لا يعني تناول ضعف كمية الطعام أو الاعتماد على الوجبات الكبيرة وتؤكد وزارة الصحة القطرية أن جودة الغذاء أهم من مجرد زيادة كميته، وأن الاحتياجات الإضافية خلال الحمل ترتبط بعناصر محددة، من أبرزها الحديد وحمض الفوليك والكالسيوم وفيتامين “د” والبروتين.

كما أوضحت مؤسسة الرعاية الصحية الأولية، في مادة صحفية نشرت عام 2024، أن متابعة الحمل تشمل تقييم الحالة الصحية والتغذوية للأم، وتحديد المكملات المناسبة وفق التقييم الطبي، كما تنبه الإرشادات الصحية إلى ضرورة الحذر من تناول جرعات مرتفعة من فيتامين “أ” خلال الحمل، وتجنب المكملات أو الأدوية دون مراجعة الطبيب.

أما خلال الرضاعة الطبيعية، فتحتاج الأم إلى نظام متوازن يوفر احتياجاتها الغذائية، مع الاهتمام بالسوائل والراحة والمتابعة الطبية عند الحاجة وقد تختلف احتياجاتها من بعض العناصر تبعاً لظروفها الصحية ونمط تغذيتها، والقاعدة الأساسية هنا أن النظام الغذائي للحامل أو المرضع ينبغي أن يكون مناسباً لحالتها، لا نسخة من حمية متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي

عادات يومية تصنع الفارق

لا تحتاج المرأة بالضرورة إلى تغييرات مفاجئة أو مكلفة لتحسين نظامها الغذائي فقد يبدأ الأمر بخطوات بسيطة، مثل تناول إفطار متوازن، وإضافة الخضراوات إلى الوجبات، واستبدال جزء من الحبوب المكررة بالحبوب الكاملة، وتقليل المشروبات المحلاة

كما أن تنظيم مواعيد تناول الطعام وتجنب الاعتماد المستمر على الوجبات السريعة يساعدان في تحسين جودة النظام الغذائي، خاصة لدى النساء اللاتي يقضين ساعات طويلة خارج المنزل

وتبرز أهمية قراءة الملصقات الغذائية عند شراء المنتجات، والانتباه إلى السكر المضاف والصوديوم والدهون، بدلاً من الاعتماد على العبارات التسويقية التي تصف الطعام بأنه صحي أو طبيعي

أما شرب الماء، فيظل جزءاً من التغذية السليمة، مع اختلاف الاحتياج بحسب الطقس والنشاط البدني والحالة الصحية وينبغي للنساء اللاتي يعانين أمراضاً تستلزم تنظيم السوائل اتباع التوجيه الطبي الخاص بهن

ولأن الغذاء الصحي لا ينفصل عن نمط الحياة، فإن ممارسة النشاط البدني والنوم الكافي والمتابعة الطبية تساعد على بناء منظومة وقائية متكاملة

الإعلام الصحي ….تصحيح المفاهيم قبل تقديم النصائح

أمام سيل المعلومات الغذائية المتداولة عبر الإنترنت، تصبح الحاجة إلى إعلام صحي متخصص أكثر إلحاحاً، خصوصاً مع انتشار وصفات الحمية السريعة والنصائح المتعلقة بالفيتامينات والمكملات

ولا يكفي أن تنشر الوسائل الإعلامية قوائم بأطعمة مفيدة أو ضارة بل ينبغي أن تشرح للقارئة أسباب أهمية كل عنصر غذائي، والفئات التي تحتاج إليه، والمواقف التي تستدعي مراجعة المختصين

كما يتعين على الصحافة الصحية التمييز بين نتائج الدراسات القائمة على الملاحظة والتوصيات الطبية المبنية على أدلة قوية، وتجنب تقديم الارتباطات الإحصائية باعتبارها علاقات سببية مؤكدة

ومن هنا تبرز أهمية التوعية الغذائية بوصفها أحد المحاور الأساسية في مجلة “عافية المرأة”، من خلال تقديم محتوى يجمع بين الدراسات العلمية والتوجيهات العملية، ويساعد القارئات على فهم احتياجات أجسامهن بعيداً عن المبالغات التسويقية والمعلومات غير الموثوقة

الصحة تبدأ من الطبق والدواء يأتي عند الحاجة

تكشف البيانات الصحية القطرية والدراسات الطبية أن العناية بتغذية المرأة ليست مسألة ثانوية، بل جزء أساسي من الوقاية والمحافظة على الصحة في المراحل العمرية المختلفة

فالحديد يساعد على تجنب بعض أشكال فقر الدم، والكالسيوم وفيتامين “د” يدعمان صحة العظام، وحمض الفوليك يؤدي دوراً مهماً قبل الحمل وخلال مراحله الأولى، بينما تسهم البروتينات والفيتامينات والألياف والدهون الصحية في المحافظة على وظائف الجسم.

لكن هذه العناصر لا تعمل بصورة منفصلة، ولا يمكن اختزال الصحة في حبة فيتامين أو نظام غذائي مؤقت فالغذاء المتوازن هو الأساس، والفحوصات الطبية تساعد على اكتشاف أوجه النقص، والمكملات تكون وسيلة داعمة عندما تستدعي الحالة استخدامها.

Share this content:

إرسال التعليق

يمكنك قراءة هذة الموضوعات ايضاً