بين العمل والأسرة: الصحة النفسية للمرأة ليست مسؤوليتها وحدها

مقال وجدان الكربي – عافية المرأة

في كل صباح تبدأ آلاف النساء يومهن بقائمة طويلة من المسؤوليات، تبدأ بتجهيز الأبناء والاستعداد للعمل، ولا تنتهي بالعودة إلى المنزل، حيث تنتظرهن واجبات أسرية ومهام يومية جديدة وبين هذه الالتزامات المتلاحقة، قد تجد المرأة نفسها آخر من يحصل على الاهتمام والراحة، وكأن الاعتناء بصحتها النفسية أمر يمكن تأجيله إلى أن تنتهي مسؤوليات الجميع لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: إلى متى تستطيع المرأة الاستمرار في العطاء إذا كانت تدفع من صحتها النفسية ثمناً لهذا العطاء؟

لقد استطاعت المرأة في المجتمع القطري أن تحقق حضوراً بارزاً في مجالات التعليم والعمل والمشاركة المجتمعية، وأثبتت قدرتها على الجمع بين الطموح المهني والمسؤوليات الأسرية غير أن هذا النجاح، على أهميته، لا ينبغي أن يخفي حقيقة أن تعدد الأدوار قد يتحول إلى عبء نفسي عندما تصبح المرأة مطالبة بإثبات كفاءتها في العمل، والتميز في رعاية أسرتها، والمحافظة على صورتها الاجتماعية، دون أن تجد دعماً كافياً أو مساحة للراحة.

ولعل المشكلة الحقيقية لا تكمن في تعدد المسؤوليات نفسه، بل في النظرة التي تجعل قدرة المرأة على التحمل معياراً لنجاحها فكثيراً ما نسمع عبارات تشيد بالمرأة التي لا تتوقف عن العمل، وتنجز جميع واجباتها دون شكوى، وكأن التعبير عن الإرهاق أو طلب المساعدة ينتقص من قوتها وهنا تتحول الإشادة بقدرتها على العطاء إلى ضغط غير مباشر يدفعها إلى تجاهل احتياجاتها النفسية والجسدية.

إن الصحة النفسية لا تتراجع فجأة في معظم الأحيان، بل قد تتأثر بتراكم ضغوط صغيرة تبدو منفردة قابلة للتحمل فقلة النوم، والتفكير المستمر في المسؤوليات، وصعوبة تخصيص وقت للنفس، والشعور بالتقصير تجاه الأسرة أو العمل، كلها عوامل قد تجعل المرأة أكثر عرضة للإجهاد والتوتر وقد تبدأ آثار هذه الضغوط في صورة سرعة الانفعال أو ضعف التركيز أو اضطراب النوم، ثم تتطور لدى بعض النساء إلى مشكلات تؤثر في حياتهن اليومية إذا استمرت دون معالجة.

ولا يمكن الحديث عن هذه الضغوط بمعزل عن ثقافة المقارنة التي عززتها مواقع التواصل الاجتماعي فالصور التي تعرض حياة أسرية مثالية ونجاحاً مهنياً متواصلاً ومظهراً أنيقاً في جميع الأوقات قد تدفع بعض النساء إلى الاعتقاد بأنهن لا يبذلن جهداً كافياً والحقيقة أن ما يظهر على الشاشات ليس سوى جانب مختار من الحياة، بينما تظل التحديات والتضحيات واللحظات الصعبة بعيدة عن أعين المتابعين.

ولعل أخطر ما تسببه هذه المقارنات هو أنها تجعل المرأة تقيس نجاحها بمدى قدرتها على القيام بكل شيء، بدلاً من قياسه بمدى رضاها عن حياتها وقدرتها على المحافظة على صحتها فالمرأة ليست مطالبة بأن تكون موظفة مثالية وأماً مثالية وزوجة مثالية في اللحظة نفسها، ولا ينبغي أن يتحول حرصها على أداء أدوارها المختلفة إلى سبب لاستنزافها.

وعندما نتحدث عن الحلول نجد أن النصائح المعتادة غالباً ما توجَّه إلى المرأة وحدها فيطلب منها تنظيم وقتها، وممارسة الرياضة، والنوم مبكراً، وتعلم الاسترخاء ورغم أهمية هذه الممارسات، فإنها لا تستطيع وحدها معالجة المشكلة إذا ظلت الأعباء موزعة بصورة غير عادلة فما فائدة أن ننصح الأم بالحصول على قسط كافٍ من النوم بينما تتحمل وحدها مسؤولية الأطفال والمنزل والعمل؟

فالمسؤولية الحقيقية تبدأ من الأسرة، حيث ينبغي أن تصبح المشاركة في الأعمال المنزلية ورعاية الأبناء ثقافة يومية، لا مساعدة استثنائية يقدمها الزوج أو أفراد الأسرة عند الحاجة كما أن الاستماع إلى مشاعر المرأة وتقدير جهودها واحترام حاجتها إلى الوقت الشخصي قد يكون له أثر أكبر من كثير من النصائح النظرية

وتمتد هذه المسؤولية إلى المؤسسات وبيئات العمل، التي ينبغي أن تدرك أن الإنتاجية لا تتحقق بالضغط المتواصل، بل بتوفير ظروف مهنية تسمح للموظفات بأداء مسؤولياتهن دون استنزاف مستمر ويشمل ذلك وضوح المهام، والتوزيع العادل لأعباء العمل، وتوفير الدعم المهني، وإتاحة قدر مناسب من المرونة عندما تسمح طبيعة الوظيفة بذلك.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تخجل المرأة من الاعتراف بحاجتها إلى الدعم النفسي، أو تتعامل مع الاستشارة المتخصصة باعتبارها دليلاً على الضعف فكما تهتم بصحتها الجسدية وتراجع الطبيب عند الشعور بالألم، تستحق صحتها النفسية الاهتمام نفسه عندما يستمر القلق أو الحزن أو الإرهاق بصورة تؤثر في حياتها.

كما إننا بحاجة إلى تغيير نظرتنا إلى المرأة القوية فهي ليست تلك التي تتحمل جميع الضغوط بصمت، وإنما التي تدرك حدود طاقتها، وتعرف متى تحتاج إلى الراحة، وتجد حولها من يشاركها المسؤولية ويحترم احتياجاتها كما أننا بحاجة إلى تغيير مفهوم النجاح الأسري والمهني، بحيث لا يصبح الإنجاز مرتبطاً بالتضحية المستمرة بالصحة والراحة.

والاهتمام بالصحة النفسية للمرأة يجب أن يتحول من مجرد موضوع للتوعية إلى قيمة مجتمعية تنعكس على سلوك الأسرة وممارسات المؤسسات فلا يكفي أن نشيد بدور المرأة في بناء المجتمع، ثم نغفل الظروف التي تساعدها على أداء هذا الدور دون أن تفقد توازنها النفسي

فالمرأة لا تحتاج إلى مزيد من المطالب التي تثبت قدرتها على التحمل، بل إلى مزيد من التفهم والمشاركة والدعم وإذا أردنا لها أن تستمر في العطاء والنجاح، فعلينا أن ندرك أن راحتها ليست رفاهية، وأن صحتها النفسية ليست مسؤوليتها وحدها، بل مسؤولية مجتمع يؤمن بأن عافية المرأة أساس لعافية الأسرة واستقرارها.

Share this content:

إرسال التعليق

يمكنك قراءة هذة الموضوعات ايضاً