رعاية طفلك تبدأ من النوم الجيد: ” النوم بين العادات الصحية وعلامات تستدعي الاستشارة الطبية”
أم تساعد طفلتها على النوم الهادئ – المصدر مولدة بالذكاء الاصطناعي
تقرير تغريد الكربي– عافية المرأة
مع اقتراب منتصف الليل قد تستمر إحدى الأمهات في محاولة تهدئة رضيعها الذي يستيقظ كل ساعتين بينما تنشغل أم أخرى بإقناع طفلها بإغلاق الهاتف والاستعداد للنوم وفي منزل ثالث تتساءل أسرة عن سبب شخير طفلها المتكرر رغم أنه يقضي ساعات طويلة في فراشه.
تبدو هذه المواقف مختلفة لكنها تشترك في سؤال واحد يشغل كثيراً من الأمهات: هل ما يحدث جزء طبيعي من نمو الطفل أم علامة على وجود مشكلة صحية تحتاج إلى تدخل طبي؟
فالنوم ليس مجرد فترة راحة يستعيد خلالها الطفل نشاطه بل عملية حيوية ترتبط بنمو الدماغ والذاكرة والمناعة والحالة النفسية والقدرة على التعلم وعلى الرغم من أن اضطراب مواعيد النوم قد يرتبط بعادات يومية قابلة للتعديل فإن بعض العلامات مثل الشخير المستمر وتوقف التنفس والنعاس الشديد خلال النهار قد تشير إلى حالات تحتاج إلى تقييم متخصص.
الساعات وحدها لا تكفي … جودة النوم تصنع الفارق
لا يمكن الحكم على نوم الطفل من خلال عدد الساعات فقط فهناك فرق بين طفل ينام ساعات متصلة ويستيقظ نشيطاً وآخر يقضي المدة نفسها في فراشه لكنه يستيقظ باستمرار أو يعاني صعوبة في التنفس خلال الليل.
وتؤكد مؤسسة الرعاية الصحية الأولية في قطر أهمية النوم المنتظم لصحة الأطفال والمراهقين مشيرة إلى دوره في دعم الذاكرة والتركيز والقدرة على التعلم وانعكاس نقصه على السلوك والحالة النفسية، وفي بيان رسمي نشرته المؤسسة في سبتمبر 2021 أوضحت الدكتورة هناء خضير صالح أخصائية طب المجتمع ونمط الحياة الصحية أن الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً يحتاجون إلى النوم ما بين 9 و12 ساعة يومياً بينما يحتاج المراهقون بين 13 و18 عاماً إلى 8–10 ساعات وشددت على أهمية الالتزام بمواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ وعدم إحداث اختلافات كبيرة بين أيام الدراسة والعطلات لما لذلك من تأثير في الساعة البيولوجية للجسم.
لكن هذه الأرقام تظل مؤشرات استرشادية إذ تختلف أنماط النوم من طفل إلى آخر بحسب عمره وحالته الصحية ونشاطه اليومي ولذلك ينبغي على الأسرة مراقبة نشاط الطفل ومزاجه وقدرته على التركيز وليس الاكتفاء بحساب ساعات نومه.
حديثو الولادة …. الاستيقاظ المتكرر ليس دائماً مشكلة
في الأشهر الأولى بعد الولادة قد تشعر الأم بالإرهاق بسبب استيقاظ طفلها عدة مرات ليلاً خصوصاً عندما تقارن نمط نومه بأطفال آخرين ينامون لفترات أطول غير أن نوم حديثي الولادة يختلف عن نوم الأطفال الأكبر سناً إذ يتوزع على فترات قصيرة خلال النهار والليل وتتخلله الاستيقاظات المرتبطة بالرضاعة وتغيير الحفاضات واحتياجات الطفل الأساسية.
ومع تقدم العمر تبدأ فترات النوم الليلي في الاستطالة تدريجياً لدى كثير من الأطفال لكن سرعة هذا التطور تختلف من رضيع إلى آخر ولا يعني استمرار الاستيقاظ الليلي بالضرورة الإصابة باضطراب في المقابل يجب الانتباه إذا كان الرضيع يصعب إيقاظه للرضاعة أو لا يتغذى جيداً أو يعاني ضعفاً في زيادة الوزن أو تظهر عليه علامات تنفس غير طبيعي فهذه الحالات تستدعي تقييم طبيب الأطفال.
القيلولة … حاجة طبيعية تتغير مع النمو
تلعب القيلولة دوراً مهماً في حياة الأطفال الصغار خصوصاً خلال السنوات الأولى عندما يحتاج الجسم والدماغ إلى فترات متعددة من الراحة فقد يحتاج الرضيع إلى عدة قيلولات على مدار اليوم بينما يبدأ عددها في الانخفاض مع تقدمه في العمر حتى يصل كثير من الأطفال إلى قيلولة واحدة خلال مرحلة الطفولة المبكرة ومع الاقتراب من سن المدرسة تقل الحاجة إلى النوم النهاري تدريجياً لكن هذا التحول لا يحدث في العمر نفسه لدى جميع الأطفال.
ويشير المحتوى التثقيفي الصادر عن وزارة الصحة القطرية لعام 2022 إلى أن القيلولة في السنوات الأولى تساعد على دعم الذاكرة والمهارات الحركية بينما يحتاج الأطفال الأكبر سناً إلى مواعيد نوم منتظمة تتيح لهم الحصول على الساعات الكافية خلال الليل.
وتبدأ المشكلة عندما تصبح القيلولة طويلة جداً أو متأخرة بصورة تؤثر في قدرة الطفل على النوم مساءً ولهذا ينصح بمراعاة عمر الطفل واحتياجاته دون إجباره على النوم أو إيقاظه وفق جدول صارم لا يناسب حالته.
اضطرابات النوم لدى الأطفال المصابين بفرط الحركة
في قطر تناول بحث عرض خلال مؤتمر علمي في ديسمبر 2025 أنماط النوم لدى الأطفال واليافعين المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وشارك في إعداد الدراسة باحثون مرتبطون بمؤسسة حمد الطبية وسدرة للطب وجامعة قطر واعتمدت على استبيانات مقدمة من أولياء أمور 228 مشاركاً تتراوح أعمارهم بين 5 و21 عاماً خلال زيارات للمتابعة الطبية، وأظهرت النتائج أن صعوبة الاستغراق في النوم كانت أكثر شيوعاً في الفئة العمرية من 11 إلى 21 عاماً حيث بلغت 519% مقارنة بنسبة 322% لدى الفئة الأصغر.
كما رصد الباحثون اختلافات في مواعيد بدء النوم وانتظام الساعة البيولوجية لدى الفئات العمرية المختلفة مما يبرز أهمية تقييم مشكلات النوم ضمن المتابعة الصحية لهذه الفئة ورغم أهمية هذه النتائج فإنها تتعلق بأطفال ويافعين لديهم تشخيص سابق باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ومعظمهم يتلقون علاجاً ولذلك لا يجوز تعميمها على جميع الأطفال في قطر.
وتكشف الدراسة أن النوم قد يكون جزءاً مهماً من التقييم الصحي الشامل خاصة عندما ترتبط الشكوى بمشكلات الانتباه أو السلوك أو الأداء اليومي.
سدرة للطب … مختبر متخصص يكشف ما يحدث أثناء النوم
ضمن جهود تطوير الرعاية الصحية للأطفال في قطر افتتح سدرة للطب في أغسطس 2019 مختبراً متخصصاً لدراسة اضطرابات النوم لدى الأطفال واليافعين، ويضم المختبر ست غرف مجهزة لإجراء دراسات النوم الليلية مع استخدام وسائل مراقبة تشمل التصوير بالفيديو والأشعة تحت الحمراء وأجهزة قياس النشاط الدماغي والتنفس ونبض القلب ومستوى الأكسجين.
وتساعد هذه الفحوصات في تقييم اضطرابات مثل انقطاع النفس الانسدادي والمركزي والاضطرابات العصبية والسلوكية المرتبطة بالنوم.
وأوضح الأستاذ الدكتور إبراهيم جناحي المسؤول عن قسم أمراض الرئة آنذاك في البيان الرسمي لإطلاق المختبر أن بعض مشكلات النوم لدى الأطفال قد ترتبط بحالات تبدو بسيطة مثل تضخم اللوزتين واللحمية لكنها قد تؤثر في التنفس وجودة النوم.
ويجري التقييم بالتعاون بين تخصصات متعددة تشمل أمراض الرئة والأنف والأذن والحنجرة والأعصاب وفقاً لحالة الطفل واحتياجاته، وتوفر هذه الخدمات مثالاً على أهمية الانتقال من الملاحظة المنزلية إلى التقييم المتخصص عندما تستمر الأعراض أو تظهر مؤشرات على اضطراب في التنفس أثناء النوم.
نوم الرضيع الآمن … الوقاية تبدأ من السرير
إلى جانب عدد ساعات النوم تبرز سلامة بيئة نوم الرضيع بوصفها أولوية لا تقل أهمية عن انتظام المواعيد وتوصي وزارة الصحة القطرية بوضع الرضيع على ظهره عند النوم حتى يبلغ عاماً واحداً واستخدام مرتبة ثابتة ومسطحة مع إبعاد الوسائد والبطانيات الفضفاضة والألعاب المحشوة عن سريره، كما توصي بأن ينام الرضيع في سرير منفصل قريب من سرير الوالدين بدلاً من مشاركة سطح النوم نفسه لما يرتبط بذلك من تقليل مخاطر الاختناق والوفيات المرتبطة بالنوم.
وتشدد الإرشادات على أهمية تجنب التدخين بالقرب من الطفل وحمايته من التدفئة المفرطة والحرص على المتابعة الصحية والتطعيمات المناسبة أما وضع الرضيع على بطنه فيكون أثناء اليقظة وتحت إشراف شخص بالغ لدعم تطور عضلاته وحركته وليس بوصفه وضعية للنوم وتكتسب هذه التعليمات أهمية خاصة في الأشهر الأولى حين لا يستطيع الطفل إبعاد الأجسام التي قد تعيق تنفسه
روتين المساء … خطوات بسيطة لليلة أكثر هدوء
لا توجد طريقة واحدة تضمن نوم جميع الأطفال في الوقت نفسه لكن انتظام العادات اليومية يساعد كثيراً من الأسر على تحسين جودة النوم وتوصي وزارة الصحية في قطر بالالتزام بمواعيد متقاربة للنوم والاستيقاظ وتوفير بيئة هادئة ومظلمة نسبياً وذات درجة حرارة مريحة وتقليل الإضاءة والشاشات قبل النوم.
ويمكن أن يصبح الاستعداد للنوم طقساً عائلياً بسيطاً يبدأ بترتيب الغرفة وارتداء ملابس مريحة ثم قراءة قصة أو القيام بنشاط هادئ يناسب عمر الطفل كما يساعد التعرض لضوء النهار وممارسة النشاط البدني المناسب في تنظيم الإيقاع اليومي مع تجنب المشروبات المنبهة لدى الأطفال الأكبر سناً خاصة في ساعات المساء، ومن المهم ألا تتحول مرحلة النوم إلى مصدر توتر يومي بين الطفل ووالديه فالتعامل الهادئ والاستمرار في روتين مناسب للعمر قد يكونان أكثر فاعلية من العقاب أو التهديد أو التغيير المستمر في المواعيد.
Share this content:


إرسال التعليق