من الشاشة إلى الصيدلية رحلة منتج قد لا يحتاجه الجسم: ” المكملات الغذائية بين الحاجة الطبية والاستخدام العشوائي “

تحقيق وجدان الكربي – عافية المرأة

تبدأ الحكاية أحياناً بمقطع مصور لا تتجاوز مدته دقيقة واحدة مؤثرة تتحدث بحماس عن مكمل غذائي منحها شعراً أكثر كثافة، أو بشرة أكثر نضارة، أو ساعدها، كما تقول، على التخلص من الوزن الزائد تظهر العبوة بصورة جذابة، وتُعرض نتائج التجربة الشخصية، وربما يُرفق بالمقطع رمز خصم يشجع المتابعات على الشراء قبل انتهاء العرض.

وخلال لحظات قد يتحول الفضول إلى قرار شراء، دون سؤال أساسي: هل يحتاج الجسم بالفعل إلى هذا المنتج؟

لم تعد المكملات الغذائية حاضرة في الصيدليات فقط، بل أصبحت جزءاً من ثقافة رقمية تتداخل فيها النصائح الصحية مع الإعلانات التجارية وتجارب المشاهير وبينما تلجأ بعض النساء إليها لتعويض نقص غذائي أو تلبية احتياجات طبية محددة، تستخدمها أخريات بحثاً عن الجمال والطاقة والرشاقة، اعتماداً على معلومات قد لا تستند إلى تقييم طبي.

لكن القضية تتجاوز مجرد شراء عبوة فيتامينات؛ فهي تطرح تساؤلات عن مدى دقة المحتوى الصحي المتداول، ومسؤولية المؤثرين في الترويج، ودور الصيدلي في توعية المستهلكات، وحدود الرقابة على المنتجات التي تصل إلى الأسواق.

تحذير قطري يكشف الوجه الآخر للمنتجات الغير مرخصة

لم تعد المخاوف المرتبطة بالمنتجات المروجة عبر الإنترنت مجرد احتمالات نظرية؛ ففي 30 يوليو 2026، أصدرت وزارة الصحة العامة القطرية تحذيراً بشأن منتج غير مرخص للتنحيف يحمل اسم  Eatless – Natural Slimming Formula ، بعدما تبين احتواؤه على مادتين دوائيتين غير معلنتين هما السيبوترامين والفينولفثالين، وأكدت الوزارة وفق بيان نقلته وكالة الأنباء القطرية، أن المنتج كان يُروج له عبر منصات التواصل الاجتماعي دون ترخيص في قطر، وأن احتواءه على هذه المواد قد يعرض مستخدميه لمخاطر صحية خطيرة مثل ارتفاع ضغط الدم وتسارع ضربات القلب، خاصة لدى المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية.

ويكشف هذا التحذير ثغرة مهمة في طريقة تلقي بعض المستهلكين للإعلانات؛ فالمنتج الذي يقدم نفسه باعتباره طبيعياً أو آمناً قد يحتوي على مواد لم يُعلن عنها أصلاً ولا يعني ذلك أن المكملات المرخصة تشبه هذا المنتج أو أنها جميعاً غير آمنة فالواقعة تتعلق بمستحضر محدد غير مرخص لكنها توضح خطورة الاعتماد على لغة الإعلان بدلاً من التحقق من مكونات المنتج ومصدره ووضعه التنظيمي.

دراسة سعودية انتشار الاستخدام لا يصاحبه دائماً وعي كافٍ

تقدم دراسة سعودية بعنوان المعرفة والاتجاهات والممارسات المتعلقة باستخدام المكملات الغذائية في غرب السعودية نشرت عام 2025 في مجلة  Nutrients  جانباً من الإجابة حيث اعتمد الباحثون على استبيان إلكتروني شارك فيه 1006 أشخاص بالغين، وكانت النساء يمثلن نحو 71.8% من العينة.

وكشفت النتائج أن 70.5% من المشاركين أفادوا باستخدام مكملات غذائية، في حين لم تتجاوز نسبة الذين يعرفون الجرعات الصحيحة 41% كما ذكر 28.1% من مستخدمي المكملات تعرضهم لآثار جانبية، وأفاد 46.6% من المشاركين بالاعتماد على الإنترنت للحصول على معلومات عنها.

وتبرز أهمية هذه النتائج بالنسبة إلى المرأة التي قد تختار مكملاً للشعر أو البشرة أو النشاط بناءً على محتوى إعلاني، دون إدراك أن الجرعة المناسبة لشخص ما قد لا تكون ملائمة لآخر، وأن زيادة الكمية لا تعني بالضرورة زيادة الفائدة.

Screenshot-2026-11-04-125900 " المكملات الغذائية بين الحاجة الطبية والاستخدام العشوائي "
ا

من خلف التجربة المهنية في الصيدلية، تقدم الصيدلانية ليان صورة أكثر قرباً من سلوك المستهلكات، إذ تشير في حديثها لمجلة عافية المرأة إلى أن المنتجات المرتبطة بالتفتيح والتصبغات ونضارة البشرة والتجاعيد من أكثر المنتجات التي تسأل عنها النساء.

وتوضح أن تأثير مواقع التواصل الاجتماعي أصبح حاضراً في قرارات الشراء، حيث تتوجه بعض النساء إلى الصيدلية بحثاً عن منتجات شاهدن مؤثرات يستخدمنها، دون التأكد من ملاءمتها لاحتياجاتهن الشخصية.

وتلخص ليان هذه المشكلة بعبارة واضحة: ينفع لغيرك، ولكن ليس لك

ولا تتعلق ملاحظتها هنا بالمكملات الغذائية وحدها؛ إذ تحدثت بصورة أساسية عن مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة، لكنها تكشف نمطاً استهلاكياً مشتركاً يقوم على تقليد تجربة شخص آخر بدل الحصول على توصية متخصصة

وتحذر ليان من استخدام بعض المنتجات العلاجية دون وصفة أو استشارة، كما تلفت الانتباه إلى ضرورة مراعاة الأمراض المزمنة والأدوية التي تتناولها المرأة قبل استخدام منتجات التنحيف والمستحضرات الصحية وتؤكد أن الاستشارة تساعد على اكتشاف الحساسية المحتملة والتداخلات الدوائية وتحديد مدى مناسبة المنتج للحالة الصحية.

وتبرز هنا نقطة تستحق التوقف: فالصيدلية ليست مجرد مكان لإتمام عملية البيع، بل إحدى محطات التوعية الصحية التي يمكن أن تمنع استخدام منتج غير مناسب قبل وصوله إلى جسم المستهلكة.

الصيدليات بين البيع والتوعية دراسة من داخل السوق القطري

تزداد أهمية الدور المهني للصيدلي عند النظر إلى نتائج دراسة قطرية بعنوان استكشاف دور صيادلة المجتمع في مكافحة السمنة وإدارة الوزن في قطر منشورة عام 2021، تناولت دور الصيادلة المجتمعيين في إدارة الوزن وشملت الدراسة 270 صيدلياً في قطر، وأظهرت أن نحو 52.4% منهم أفادوا بأنهم يوصون في كثير من الأحيان أو دائماً بأدوية أو أعشاب أو مكملات مرتبطة بخفض الوزن، بينما أفاد 56.9% بأنهم يقدمون الإرشادات المتعلقة بالاستخدام المناسب والآثار الجانبية.

لكن الدراسة كشفت أيضاً عن تحديات مهنية؛ إذ أشار 75.2% من المشاركين إلى أن ضيق الوقت يمثل عائقاً أمام تقديم خدمات إدارة الوزن، بينما أشار 75.7% إلى عدم توفر مساحة مناسبة للاستشارات الخاصة وتطرح هذه النتائج قضية لا تقل أهمية عن سلوك المشتريات: كيف يمكن للصيدلي تقديم المشورة الكافية عندما تكون مدة التواصل مع المستهلكة محدودة؟

فالتعامل مع مكمل غذائي يتطلب معرفة دوافع استخدامه، ومراجعة الأدوية الحالية، والتأكد من وجود أمراض مزمنة أو حمل أو رضاعة، وتوضيح الجرعة المناسبة والتحذيرات المرتبطة بالمنتج ولا تعني الدراسة أن الصيادلة يبيعون هذه المنتجات بصورة غير مسؤولة، لكنها تكشف أن جودة الإرشاد الصيدلاني قد تتأثر بالوقت والخصوصية والإمكانات المتاحة ومن هنا تبدو الحاجة واضحة إلى تعزيز دور الصيدلي بوصفه مستشاراً صحياً، لا مجرد حلقة في سلسلة بيع المنتجات.

المؤثرون حين تصبح التجربة الشخصية رسالة صحية

تستمد بعض إعلانات المكملات الغذائية قوتها من العلاقة التي يبنيها المؤثر مع جمهوره؛ فالمتابعة قد تشعر بأنها تعرف المؤثرة وتثق بنصائحها، خاصة إذا كانت تتابع تفاصيل حياتها وتجاربها اليومية منذ سنوات وتختلف هذه العلاقة عن الإعلان التقليدي، لأن المنتج قد يُعرض في سياق تجربة شخصية تبدو عفوية، بينما قد يكون جزءاً من تعاون تجاري مدفوع.

وتكمن الإشكالية عندما تنتقل التجربة من وصف ما حدث لشخص واحد إلى إيحاء بأن النتائج قابلة للتكرار لدى الجميع، أو عندما تُقدم فوائد صحية لا تدعمها أدلة علمية كافية

وقد أوضحت السيدة  آمنة السليطي، أخصائية التغذية الرياضية بمستشفى سبيتار، أن النظام الغذائي المتوازن قادر في معظم الحالات على توفير الاحتياجات الغذائية، وأن المكملات قد تكون مفيدة في ظروف محددة عندما توجد حاجة مثبتة أو متطلبات خاصة وهنا لا يتعلق الأمر بمنع المؤثرات من مشاركة تجاربهن؛ بل بالتمييز بين المحتوى الشخصي والإعلان التجاري والمشورة الطبية فمن حق المؤثرة الحديث عن تجربتها، لكن هذه التجربة لا تمنحها بالضرورة القدرة على تحديد احتياجات جميع متابعاتها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتجات قد تتداخل مع الأدوية أو تؤثر في حالات مرضية قائمة.

كما أن الإفصاح الواضح عن الإعلان المدفوع، وتجنب الوعود العلاجية غير المثبتة، وتوجيه المتابعات إلى المختصين، تمثل ممارسات أساسية لتعزيز المسؤولية المهنية في صناعة المحتوى الصحي.

Screenshot-2026-11-04-131004 " المكملات الغذائية بين الحاجة الطبية والاستخدام العشوائي "
المؤثرة سمر الأحمد

ولم تعد المؤثرات على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد ناقلات لتجاربهن الشخصية، بل أصبحن جزء مؤثر في توجيه القرارات الشرائية، خاصة في المنتجات المرتبطة بالصحة والجمال والرشاقة ومع تزايد الإعلانات عن المكملات الغذائية، تبرز تساؤلات حول مسؤولية المؤثرة في التأكد من سلامة ما تروج له، ومدى إدراك المتابعات للفارق بين التجربة الشخصية والتوصية الطبية.

 ولإبراز وجهة نظر الطرف المرتبط بصناعة المحتوى، يتناول التحقيق موقف المؤثرة سمر الأحمد من الترويج للمكملات الغذائية وتأثير الإعلانات في قرارات النساء.

وقد صرحت سمر لعافية المرأة قائلة “أعتقد أن المؤثرين أصبح لهم تأثير كبير في قرارات الشراء، خصوصاً في المنتجات المرتبطة بالشعر والبشرة والوزن، لكن ما يناسب شخصاً قد لا يناسب غيره، ولذلك لا ينبغي أن تتحول التجارب الشخصية إلى توصيات طبية عامة”

وأضافت أن الشفافية في الإعلانات المدفوعة تمثل مسؤولية أساسية تجاه المتابعات، وأن الإعلان عن منتج صحي يتطلب تجنب المبالغة في النتائج أو تقديم وعود علاجية غير مضمونة.

وأكدت سمر على ضرورة ألا تشتري المرأة مكملاً غذائياً لمجرد انتشاره أو ترويجه من إحدى المؤثرات، وأن يكون قرار الاستخدام مبنياً على الحاجة الصحية واستشارة المختصين.

الجمهور بين ثلاث قناعات الحاجة والتجربة والحذر

يمكن فهم قرارات شراء المكملات من خلال ثلاثة أنماط استهلاكية مختلفة، لا بوصفها نتائج استطلاع ميداني، بل زوايا تفسيرية تساعد على قراءة المشكلة فهناك من تستخدم المكملات بعد تقييم طبي أو توصية متخصصة، لإعطاء الجسم عنصراً يحتاج إليه فعلاً وفي المقابل، قد تبدأ أخريات باستخدام منتجات شاهدنها على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة عندما ترتبط بوعود تحسين الشعر والبشرة أو إنقاص الوزن أما الفئة الثالثة فتفضل عدم تناول المكملات إلا عند الضرورة، وتعتمد على الغذاء المتوازن وتستشير الطبيب قبل تجربة المنتجات الجديدة.

وتثير هذه الاختلافات سؤالاً مهماً في علاقة الجمهور بالإعلانات: هل أصبحت ثقة المرأة بالمؤثرة كافية لاتخاذ قرار يتعلق بصحتها؟

ووسط التحذيرات، يبقى من الضروري توضيح أن المكملات الغذائية ليست منتجات عديمة الفائدة، وأن استخدامها قد يمثل ضرورة طبية في حالات محددة وعند سؤال بعض النساء من الجمهور.

صرحت مريم أ “لا أحب تناول أي مكمل غذائي دون أن أعرف إذا كان جسمي يحتاج إليه فعلًا سبق أن استخدمت فيتامين د، لكنني أفضل أن تكون هذه الخطوة بعد استشارة الطبيب وفى الحقيقة أشاهد الكثير من الإعلانات عن الفيتامينات، خاصة المنتجات التي تعد بتحسين الشعر والبشرة، لكنني لا أقتنع بشرائها لمجرد أن إحدى المؤثرات تستخدمها وأرى أن كل امرأة تختلف عن الأخرى، ولذلك أثق برأي الطبيب والصيدلي أكثر من التجارب المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي.”

كما صرحت أبرار. ج “الصراحة مواقع التواصل الاجتماعي تؤثر في اختياراتي خصوصاً عندما أشاهد مؤثرة تتحدث عن مكمل غذائي وتعرض نتائجه على الشعر أو البشرة؛ كنت أبحث عن المنتجات التي تحظى بانتشار كبير، وأحياناً أفكر في تجربتها لأنني أتوقع الحصول على النتائج نفسها لكنني اكتشفت أن بعض المنتجات لا تحقق ما تعد به الإعلانات، وأن الاستجابة تختلف من شخص لآخر وأصبحت الآن أكثر حرصاً على معرفة مكونات المنتج وسؤال الصيدلي قبل شرائه، لأنني أدركت أن انتشار المكمل لا يعني أنه الأفضل.”

أما عائشة. أ قالت “أنا لا أؤيد تناول المكملات الغذائية بصورة عشوائية، وأعتقد أن بعض النساء أصبحن يستخدمنها لمجرد أنها منتشرة بين المشاهير والمؤثرات وبالنسبة لي أفضل الاهتمام بنظامي الغذائي وتناول الأطعمة المتنوعة بدلاً من الاعتماد على عبوات الفيتامينات دون حاجة واضحة ولا أمانع استخدام المكمل عندما يوصي به الطبيب، لكنني لا أثق في الإعلانات التي تقدم المنتج وكأنه حل سحري لجميع المشكلات الصحية والجمالية.”

وتكشف هذه الأصوات الثلاثة عن اختلاف النظرة إلى المكملات الغذائية، بين من تعتمد على الاستشارة الطبية، ومن تتأثر بالمحتوى الرقمي قبل اتخاذ قرار الشراء، ومن تفضل الحصول على العناصر الغذائية من الطعام المتوازن وتلتقي هذه المواقف عند أهمية التحقق من الحاجة الصحية قبل استخدام المكملات، وهو ما يعزز التساؤلات التي يطرحها التحقيق بشأن تأثير الإعلان في قرارات النساء الصحية.

وفي نهاية هذا التحقيق تؤكد عافية المرأة ان المشكلة لا تكمن في كل كبسولة فيتامين أو مكمل غذائي، فبعض هذه المنتجات يؤدي دوراً مهماً في الوقاية والعلاج الداعم عند الحاجة لكن الخطورة تبدأ عندما يحل الإعلان محل التشخيص، وتصبح تجربة المؤثرة أقوى تأثيراً من الرأي الطبي، ويتحول المنتج من وسيلة لتحسين الصحة إلى استهلاك لا يعرف صاحبه ضرورته أو مخاطره

وبين الحاجة الطبية والاستخدام العشوائي، يظل السؤال الذي ينبغي أن يسبق قرار الشراء بسيطاً وحاسماً: هل يحتاج جسمي إلى هذا المكمل فعلاً، أم أنني اشتريت وعداً جميلاً صنعه الإعلان؟

Share this content:

إرسال التعليق

يمكنك قراءة هذة الموضوعات ايضاً