الاحتراق النفسي لدى النساء: ” أعباء تتراكم وعلامات تستدعي الانتباه”
الضغط النفسي لدى النساء بيت التراكم والعلاج – الصورة من أرشيف موقع الصحة النفسية
تقرير- رغد الشهواني– عافية المرأة
بين ضغوط العمل ومسؤوليات الأمومة والالتزامات الأسرية قد تجد المرأة نفسها في دائرة متواصلة من العطاء دون أن تحصل على القدر الكافي من الراحة والدعم ومع استمرار الضغوط قد يتحول التعب العابر إلى استنزاف نفسي وجسدي ينعكس على صحتها وعلاقاتها وإنتاجيتها فكيف تتشكل هذه الحالة وما العلامات التي ينبغي عدم تجاهلها؟
تبدأ بعض الأيام قبل شروق الشمس حين تستيقظ المرأة لتجهيز أطفالها للمدرسة ثم تنطلق إلى عملها محملة بمواعيد واجتماعات ومسؤوليات لا تنتهي ومع عودتها إلى المنزل تبدأ قائمة جديدة من الواجبات بين متابعة الأبناء والاهتمام بالأسرة وترتيب شؤون الحياة اليومية وعندما يحين وقت الراحة تجد نفسها منشغلة بالتفكير فيما لم تنجزه وكأن اليوم انتهى قبل أن تجد لنفسها مساحة صغيرة تستعيد فيها طاقتها.
قد تمر هذه التفاصيل بصورة اعتيادية في حياة كثير من النساء لكن استمرار الضغوط دون فترات كافية للتعافي قد يحول التعب المؤقت إلى حالة من الاستنزاف العاطفي والجسدي تؤثر في العمل والعلاقات والصحة العامة.
الاحتراق النفسي .. حين لا تكفي الراحة العابرة
ليس كل شعور بالتعب دليلاً على الاحتراق النفسي فقد تمر المرأة بيوم مرهق تستعيد بعده نشاطها بالنوم أو الراحة لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الاستنزاف شعوراً مستمراً وتتراجع القدرة على التعامل مع المسؤوليات التي كانت تبدو في السابق عادية ومن الناحية العلمية يُستخدم مصطلح “الاحتراق المهني” لوصف حالة ناتجة عن ضغوط مزمنة في بيئة العمل لم تنجح محاولات إدارتها وتتسم بالإرهاق الشديد وتزايد المشاعر السلبية أو الابتعاد النفسي عن العمل وانخفاض الشعور بالكفاءة المهنية.
ويصنف الاحتراق المهني في التصنيف الدولي للأمراض بوصفه ظاهرة مرتبطة بالعمل وليس مرضاً نفسياً مستقلاً أما الضغوط الناتجة عن رعاية الأسرة والأبناء أو تحمل المسؤوليات المنزلية فقد تؤدي إلى استنزاف نفسي وعاطفي مشابه لكنها لا تُعد تلقائياً احتراقاً مهنياً بالمعنى التشخيصي الدقيق، ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة عند الحديث عن النساء إذ قد تجتمع الضغوط المهنية والأسرية في الوقت نفسه وتتداخل أعراضها مع اضطرابات القلق والاكتئاب أو بعض المشكلات الصحية الجسدية.
وتعكس دراسة أجراها باحثون من مؤسسة حمد الطبية جانباً من حجم الضغوط التي يمكن أن يتعرض لها العاملون في المهن التي تتطلب تواصلاً مستمراً مع الآخرين ونشرت الدراسة في أغسطس 2025 بعنوان “ارتباط نقص الكوادر بالاحتراق المهني والاكتئاب والقلق بين طواقم التمريض في العيادات الخارجية بمستشفى حمد العام” واعتمدت على المنهج المقطعي باستخدام استبيانات ومقاييس نفسية معتمدة وشارك في الدراسة 286 من أفراد طاقم التمريض بنسبة استجابة بلغت 96.6% من المستهدفين وكانت غالبية المشاركين من النساء غير القطريات ضمن الفئة العمرية بين 31 و40 عاماً وأظهرت النتائج أن 31% من العينة سجلوا مستوى من الاحتراق المهني وفق المقياس المستخدم بينما أفاد نحو 44.9% بتعرضهم لدرجة من الإنهاك الذهني و44.5% بدرجة من الإنهاك الجسدي.
وربطت الدراسة مستويات الاحتراق بعدد من العوامل المهنية والشخصية من بينها ظروف العمل والفئة العمرية والمستوى التعليمي وبعض ظروف المعيشة ومن المهم الإشارة إلى أن الدراسة تناولت أفراد طاقم التمريض في مؤسسة صحية محددة ولا تعبر نتائجها عن نسبة انتشار الاحتراق النفسي بين النساء عموماً أو بين القطريات على وجه الخصوص ومع ذلك فإنها تقدم مؤشراً مهماً إلى أن العمل في بيئات تتسم بالمسؤوليات المتواصلة والضغط المرتفع يحتاج إلى إجراءات تنظيمية ودعم نفسي وليس مجرد مطالبة الموظفات بتحمل المزيد من الأعباء.
الاحتراق النفسي .. ظاهرة تحتاج إلى اهتمام مؤسسي
وفي دراسة أخرى نُشرت عام 2023 أجرى باحثون من مؤسسة حمد الطبية وسدرة للطب مراجعة منهجية للدراسات التي تناولت الاحتراق المهني لدى العاملين في القطاع الصحي بدولة قطر
وحملت الدراسة عنوان “الاحتراق المهني بين العاملين في الرعاية الصحية في قطر” واعتمدت على تحليل الأبحاث التي استخدمت مقياس ماسلاش للاحتراق المهني مع تقييم جودتها المنهجية وتوصل الباحثون إلى أن معدل الانتشار المجمع للاحتراق المهني تراوح بين 17% و20% وفق النموذج الإحصائي المستخدم.
وتبرز أهمية المراجعة في تأكيد أن الاحتراق المهني ليس مجرد شعور فردي بالعجز عن تنظيم الوقت بل ظاهرة تتأثر ببيئة العمل ومتطلباته وتحتاج إلى استجابة مؤسسية تتعلق بتوزيع المسؤوليات وتوفير الدعم وتحسين الظروف المهنية.
فبالنسبة إلى بعض النساء لا تنتهي مسؤوليات اليوم بانتهاء ساعات الدوام بل تبدأ مرحلة أخرى من العمل غير المدفوع الأجر داخل المنزل كما ان تربية الأبناء ورعاية كبار السن وتنظيم المواعيد الصحية والمدرسية ومتابعة الاحتياجات الأسرية جميعها مهام تستنزف وقتاً وجهداً ذهنياً قد لا يظهران في حساب ساعات العمل التقليدية.
ويشير البرنامج الوطني للصحة النفسية التابع لوزارة الصحة العامة القطرية إلى أن المرأة قد تواجه ضغوطاً إضافية نتيجة الجمع بين العمل والمسؤوليات المنزلية ورعاية الأطفال والوالدين المسنين فضلاً عن صعوبات العلاقات والأوضاع المالية وتكشف هذه النظرة أن فهم الصحة النفسية للمرأة يتطلب النظر إلى ظروف حياتها كاملة وليس التعامل مع الضغوط باعتبارها نتيجة ضعف شخصي في التحمل.
الأمومة .. حين تتحول الرعاية المستمرة إلى استنزاف
تعد الأمومة تجربة تحمل أبعاداً إنسانية وعاطفية عميقة لكنها قد تصاحبها أيضاً تحديات صحية ونفسية خصوصاً خلال الأشهر الأولى بعد الولادة فاضطراب النوم والرعاية المتواصلة للرضيع والقلق بشأن صحته والتغيرات الجسدية والهرمونية قد تجعل بعض الأمهات أكثر عرضة للإجهاد الشديد.
وفي تقرير نشرته مؤسسة قطر في مارس 2025 تناولت الدكتورة زينب إمام رئيس قسم الصحة النفسية للمرأة في سدرة للطب تأثير ضغوط الأمومة وغياب الدعم الأسري في الحالة النفسية للنساء خاصة المغتربات اللاتي يعشن بعيداً عن أسرهن وأشارت إلى أن القلق والاكتئاب خلال الحمل وبعد الولادة من المشكلات التي تستحق اهتماماً خاصاً وأن الرعاية الفعالة تقوم على الاستماع إلى المرأة وفهم مشاعرها وتوفير دعم علاجي ونفسي مناسب؛ ومن المهم عدم الخلط بين الإجهاد الناتج عن رعاية الأطفال وبين اكتئاب ما بعد الولادة فالأخير اضطراب يحتاج إلى تقييم طبي وقد يصاحبه حزن مستمر وفقدان للمتعة والشعور بالذنب واضطرابات واضحة في النوم والشهية لذلك لا ينبغي تفسير جميع التغيرات النفسية التي تمر بها الأم باعتبارها جزءاً طبيعياً من الأمومة ولا مطالبتها بتحمل المعاناة في صمت.
علامات نفسية وسلوكية … تغيرات صغيرة تكشف ضغطاً كبيراً
قد تكون المرأة اعتادت أداء مسؤولياتها بكفاءة لكنها تبدأ تدريجياً في فقدان الحماس أو الشعور بالانزعاج من أبسط المواقف أو صعوبة التركيز واتخاذ القرارات وتدرج حملة “عساك بخير؟” التابعة للبرنامج الوطني للصحة النفسية في قطر مجموعة من العلامات التي قد تشير إلى تراجع العافية النفسية منها سرعة الانفعال والشعور المستمر بالإجهاد والرغبة في العزلة واضطراب النوم وصعوبة الاسترخاء أو التركيز وقد تظهر هذه التغيرات أيضاً في صورة فقدان الاهتمام بالأنشطة المحببة أو الابتعاد عن الأصدقاء أو عدم القدرة على الاستمتاع بأوقات الراحة.
وفي بيئة العمل قد تصبح المهام البسيطة أكثر صعوبة ويبدأ الشعور بأن الجهد المبذول لا يحقق أي إنجاز أو تتزايد المشاعر السلبية تجاه الوظيفة والزملاء، أما داخل الأسرة فقد يظهر الإرهاق في صورة توتر مستمر أو تراجع القدرة على التواصل الهادئ أو الانسحاب من الأنشطة العائلية ولا تكفي هذه الأعراض وحدها لتشخيص حالة محددة لكنها علامات تستحق الانتباه خاصة إذا استمرت وأثرت في أداء المرأة وحياتها اليومية.
الصمت والخوف من نظرة الآخرين … عائق أمام طلب المساعدة
رغم اتساع الحديث عن الصحة النفسية قد تتردد بعض النساء في الإفصاح عن معاناتهن خوفاً من نظرة الأسرة أو المجتمع أو اعتقاداً بأن طلب المساعدة يدل على ضعف القدرة على التحمل.
ويشير البرنامج الوطني للصحة النفسية في قطر إلى أن الوصمة الاجتماعية وسوء الفهم المرتبطين بالمشكلات النفسية قد يدفعان بعض الأشخاص إلى إخفاء أعراضهم وتأجيل الاستشارة لكن الاستنزاف النفسي لا ينبغي أن يتحول إلى اختبار للصبر أو القدرة على تحمل المسؤوليات فالمرأة التي تحتاج إلى دعم نفسي لا تختلف عن التي تحتاج إلى مراجعة الطبيب بسبب مشكلة جسدية.
وفي هذا السياق تؤكد مؤسسة الرعاية الصحية الأولية القطرية أهمية الوعي بالصحة النفسية بوصفها جزءاً أساسياً من جودة الحياة وليس مجرد غياب للمرض كما أن الحوار الأسري المتفهم وتقبل المشاعر دون إصدار أحكام قد يساعدان على تشجيع المرأة على طلب المساعدة بدلاً من إخفاء معاناتها.
مؤسسات الرعاية في قطر … خدمات تتوسع لدعم المرأة
في أبريل 2025 أعلنت مؤسسة حمد الطبية إطلاق مبادرة بالتعاون بين مركز صحة المرأة والأبحاث وخدمات الصحة النفسية بهدف تعزيز الدعم النفسي للنساء خلال الحمل والفترة المحيطة بالولادة وركزت المبادرة على التدخل المبكر والاستجابة للاحتياجات النفسية للأمهات ضمن رعاية متكاملة تجمع بين الجوانب الجسدية والنفسية.
كما توفر مؤسسة الرعاية الصحية الأولية خدمات للدعم النفسي في عدد من المراكز الصحية إلى جانب برامج الطب النفسي المتكامل بما يسهم في تسهيل الوصول إلى المساعدة ضمن بيئة علاجية تراعي السرية والخصوصية.
وتعكس هذه الجهود أهمية النظر إلى الصحة النفسية للمرأة باعتبارها جزءاً من الرعاية الصحية الشاملة لا موضوعاً ثانوياً يأتي بعد ظهور مشكلات شديدة.
متى تصبح الاستشارة النفسية ضرورة؟
قد تساعد الراحة وإعادة تنظيم المسؤوليات على تخفيف الضغوط العابرة لكن استمرار الأعراض أو تفاقمها يستدعي الاهتمام الطبي؛ ومن العلامات التي تتطلب طلب التقييم المتخصص استمرار الإرهاق رغم الراحة أو تراجع القدرة على أداء المسؤوليات اليومية أو فقدان الاهتمام بالأنشطة المعتادة أو اضطراب النوم بصورة مؤثرة أو الشعور المستمر بالحزن والقلق واليأس، كما أن ظهور أعراض جسدية شديدة أو غير مفسرة يستدعي تقييماً طبياً بدل افتراض أنها ناتجة عن التوتر وحده؛ أما وجود أفكار لإيذاء النفس أو الآخرين أو الشعور بعدم القدرة على الحفاظ على السلامة الشخصية فهو مؤشر يستوجب طلب المساعدة الطارئة دون تأخير. وفي قطر توفر مؤسسة حمد الطبية الخط الوطني للصحة النفسية عبر الرقم 16000 الذي يتيح الحصول على الاستشارة والدعم والتوجيه إلى الخدمات المناسبة وفق ساعات التشغيل المعلنة
Share this content:

إرسال التعليق