بين الواقع والانترنت: “التغذية السليمة للطفل في سنواته الأولى”

صورة مصممه تجمع بين معلومات الانترنت والتغذية الواقعية – مجلة عافية المرأة

مقال وجدان الكربي – عافية المرأة

تبدأ رحلة الأم مع تغذية طفلها بكثير من الأسئلة والقلق خاصة عندما يحين موعد تقديم الطعام للمرة الأولى فبين نصيحة من إحدى القريبات وتجربة تنشرها أم على مواقع التواصل الاجتماعي ومقطع مصور يروج لنظام غذائي معين تجد المرأة نفسها أمام معلومات متباينة يصعب أحياناً تحديد الصحيح منها.

ومع انتشار المحتوى الرقمي أصبحت وصفات تغذية الأطفال متاحة بضغطة زر لكن سهولة الوصول إلى المعلومات لا تعني بالضرورة دقتها فبعض النصائح يستند إلى تجارب شخصية لا تراعي الفروق الصحية بين الأطفال بينما يقدم آخرون توصيات تتعارض مع الإرشادات الطبية المتعلقة بالعمر والنمو واحتياجات الجسم وهنا تبرز أهمية بناء وعي غذائي يساعد الأم على اتخاذ قرارات سليمة بعيداً عن المقارنات والمبالغات المنتشرة عبر الإنترنت.

كما تعد الرضاعة الطبيعية من أهم أسس التغذية خلال الأشهر الأولى إذ يوفر حليب الأم العناصر الغذائية اللازمة لنمو الرضيع ويساعد على حمايته من بعض الأمراض والعدوى وتوصي مؤسسة الرعاية الصحية الأولية في قطر بالاعتماد على الرضاعة الطبيعية الحصرية خلال الأشهر الستة الأولى ثم إدخال الأغذية التكميلية المناسبة مع الاستمرار في الرضاعة الطبيعية حتى عمر سنتين أو أكثر بحسب رغبة الأم والطفل وفي الحالات التي تتعذر فيها الرضاعة الطبيعية يمكن استخدام الحليب الصناعي المخصص للرضع وفق الإرشادات الطبية مع أهمية تقديم الدعم للأم وعدم إشعارها بالتقصير؛ لكن بعض النصائح المتداولة عبر الإنترنت تشجع على إدخال الأعشاب أو الماء أو الأطعمة مبكراً دون ضرورة طبية وهو ما قد يتعارض مع احتياجات الرضيع في هذه المرحلة.

وتمثل السنوات الأولى من عمر الطفل مرحلة أساسية للنمو الجسدي والعقلي إذ يحتاج جسمه خلالها إلى عناصر غذائية تدعم نمو الدماغ والعظام والعضلات والجهاز المناعي كما تؤكد وزارة الصحة القطرية أن التغذية السليمة خلال أول عامين تؤثر في نمو الطفل وتطوره وأن نقص العناصر الغذائية في هذه الفترة قد ينعكس على صحته في المراحل اللاحقة؛ ومن هنا لا ينبغي أن ينصب اهتمام الأم على كمية الطعام التي يتناولها الطفل فقط بل على تنوع العناصر الغذائية ومدى مناسبتها لعمره وقدرته على المضغ والبلع كما أن اختلاف شهية الأطفال ومعدلات نموهم أمر يستدعي مراعاة احتياجات كل طفل بدلاً من مقارنة كمية طعامه بما يتناوله أطفال آخرون.

نصائح الإنترنت… بين الفائدة والمخاطر

لا يمكن إنكار الدور الإيجابي الذي تؤديه المنصات الرقمية في تبادل الخبرات وتقديم أفكار متنوعة لإعداد وجبات الأطفال لكنها تصبح مصدراً للمخاطر عندما تتحول التجارب الفردية إلى توصيات طبية عامة فقد تنتشر وصفات تعتمد على العسل لتحلية طعام الرضيع رغم تحذير الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية من تقديمه قبل إتمام العام الأول لاحتمال تسببه في التسمم الوشيقي لدى الرضع.

كما تحذر الجهات الصحية من إضافة الملح والسكر إلى طعام الرضع ومن تقديم الأطعمة التي قد تسبب الاختناق مثل المكسرات الكاملة والعنب غير المقطع بطريقة آمنة ولا ينبغي تأخير جميع الأطعمة التي قد تسبب الحساسية بصورة عشوائية إذ يمكن إدخال كثير منها بأشكال مناسبة للعمر عند بدء التغذية التكميلية مع استشارة الطبيب في الحالات المعرضة لخطر الحساسية وتكشف هذه الأمثلة أن شهرة الوصفة أو كثرة تداولها لا تكفي للحكم على سلامتها وأن مراجعة المصادر الطبية تبقى ضرورة قبل تطبيق النصائح.

وقد تشعر بعض الأمهات بالقلق عندما تلاحظ أن طفلها يتناول كميات أقل من أطفال آخرين فتبدأ في تجربة وصفات لزيادة الوزن أو مكملات غذائية بناءً على توصيات متداولة، لكن الشهية تختلف بين الأطفال كما أن الحكم على النمو لا يعتمد على الوزن وحده بل على متابعة الطول والوزن ومعدلات النمو والحالة الصحية العامة.

وفي قطر توفر مؤسسة الرعاية الصحية الأولية خدمات عيادات الطفل السليم التي تشمل مراقبة النمو والتقييم الغذائي ومتابعة ممارسات الرضاعة والتغذية التكميلية؛ وتساعد هذه المتابعة على اكتشاف المشكلات مبكراً وتحديد ما إذا كان الطفل يحتاج إلى تعديل نظامه الغذائي أو تقييم طبي إضافي، أما المكملات الغذائية فلا ينبغي استخدامها لمجرد تحسين الشهية أو زيادة الوزن دون استشارة الطبيب لأن الحاجة إليها تختلف من طفل إلى آخر.

وعي الأم …. الحماية الأولى لصحة الطفل

إن بناء عادات غذائية صحية لا يحتاج إلى وصفات معقدة أو منتجات مرتفعة الثمن بل يبدأ بتقديم طعام متنوع وآمن واحترام إحساس الطفل بالجوع والشبع والابتعاد عن الإفراط في السكريات والأطعمة المصنعة.

كما تحتاج الأم إلى التعامل مع المعلومات الرقمية بعقلية نقدية فتتحقق من الجهة الناشرة والمؤهلات العلمية للمتحدث ومدى توافق النصيحة مع الإرشادات الطبية المعتمدة ولا يعني ذلك الاستغناء عن الإنترنت بل استخدامه وسيلة مساعدة للتثقيف دون أن يحل محل المتابعة الطبية أو يتحول إلى مصدر للضغط والمقارنات بين الأمهات؛ فالتغذية السليمة في سنوات الطفل الأولى ليست سباقاً لتجربة أحدث الوصفات المنتشرة بل مسؤولية تقوم على المعرفة والصبر ومراعاة احتياجات الطفل وبين ما تعرضه الشاشات وما يحتاجه الجسم يبقى الوعي العلمي للأم أساساً لبناء عادات غذائية تحمي صحة طفلها وترافقه طوال حياته.

Share this content:

إرسال التعليق

يمكنك قراءة هذة الموضوعات ايضاً